الخطأ الجسيم للأجير في الزمن الرقمي – الباحثة : السعدية أسكور

[]

الخطأ الجسيم للأجير في الزمن الرقمي

“Gross Misconduct by the Employee in the Digital Age”

الباحثة : السعدية أسكور

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط

مفتشة شغل

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

 

الخطأ الجسيم للأجير في الزمن الرقمي

“Gross Misconduct by the Employee in the Digital Age”

الباحثة : السعدية أسكور

طالبة باحثة في سلك الدكتوراه بجامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط

مفتشة شغل

الملخص:

أثرت الرقمنة على طرق إنهاء عقود الشغل، ومن بينها الفصل التأديبي بسبب الخطأ الجسيم، وهو ما يشكل محور هذا المقال. إذ تم التركيز على تحليل مفهوم الخطأ الجسيم في بيئة العمل الرقمية، من خلال رصد التحولات التي طرأت عليه بفعل استخدام الأجراء للأدوات المعلوماتية، واشتغالهم وفق أنماط عمل رقمية. وإذا كانت مدونة الشغل المغربية قد نصت على نماذج من الأخطاء الجسيمة التي أمكن تكييفها مع هذا السياق الجديد، فإن تطور البيئة الرقمية أفرز أخطاء أخرى لم تستطع هذه المدونة استيعابها. كما لم يقتصر تأثير الرقمنة على الجانب الموضوعي، بل امتد أيضا إلى الإجراءات الشكلية لمسطرة الفصل التأديبية، إذ بات من الممكن التساؤل عن مدى قانونية استخدام الوسائل الرقمية مثل البريد الإلكتروني أو الاجتماعات الافتراضية في تنفيذ إجراءات الفصل، دون الإخلال بالضمانات القانونية المقررة للأجير.

الكلمات المفاتيح: الخطأ الجسيم الرقمي، مسطرة الفصل التأديبي، البيئة المهنية الرقمية، الوسائل التكنولوجية.

Abstract :

The digital shift has impacted the ways employment contracts are terminated, especially for serious misconduct. This article explores how the concept of “gross misconduct” has evolved in digital work environments, as employees use IT tools and adopt new work patterns. While some digital behaviors may fit within Morocco’s Labor Code, other emerging infractions remain unregulated. The article also questions the legality of digitizing disciplinary procedures, using tools like email or videoconferencing, without undermining employee protections.

Keywords:
Digital serious misconduct, disciplinary dismissal procedure, digital work environment, technological tools.

مقدمة

للثورة الرقمية تأثير بالغ على العديد من المجالات، وهو ما انعكس على طبيعة العلاقات التي انقلبت إلى مستويات جديدة جعلت القانون عاجزا عن استيعابها وتنظيمها، لعل من ضمنها ومن أهمها مجال العلاقات المهنية وعلاقات الشغل وذلك من خلال تغيير طرق الإنتاج وإدخال التقنيات الرقمية لوحدات الإنتاج كأحد أهم مظاهر التحول الرقمي داخل المقاولة، وهو ما أدى كنتيجة لذلك إلى تغيير بعض الأسس التقليدية المؤطرة لعقود الشغل وعلاقات الشغل.

وإذا كانت الأنظار غالبا ما تتجه نحو التأثير الذي تمارسه الرقمنة والتكنولوجيا على علاقات الشغل من خلال المساس بتركيبة العقود التقليدية وحدود الحماية التشريعية للأجراء، خلال مرحلة إبرامها وتنفيذها، فلا يجب الإغفال عن أن للثورة الرقمية أيضا تأثير بالغ على إنهاء عقود الشغل، سواء بسبب الفصل لأسباب تكنولوجية أو الفصل التأديبي لارتكاب الأجير أخطاء جسيمة، و يعد هذا الأخير -الفصل التأديبي لارتكاب الأجير خطأ جسيم- من أهم الموضوعات التي كان للرقمنة تأثير عليها، فالتطورات التكنولوجية و ما حملته من إعادة هيكلة للمقاولة المشغلة، سواء من خلال تجديد البنيات التحتية، أو تجديد أدوات العمل أو الإنتاجية، أثرت في اتجاه تغيير مفهوم الخطأ الكلاسيكي الذي قد يرتكب من طرف الأجير.

وتأتي هذه التحولات في ظل تحولات أعمق يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث انتقل النموذج التقليدي للمقاولة من اقتصاد مادي إلى اقتصاد معرفي يعتمد بشكل كبير على تكنولوجيا الإعلام والاتصال، خاصة مع انتشار الإنترنت عالي السرعة، الذي بدأ العمل به لأول مرة بتاريخ 02 يناير 1962.وبذلك أصبحت الوسائل التكنولوجية الحديثة عنصرا حيويا لاستمرارية المقاولات وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، وقد ساهمت جائحة كوفيد-19، التي اندلعت سنة 2019، في تسريع وتيرة هذا التحول، إذ فرض على عدد كبير من الأجراء الانتقال إلى بيئات رقمية، معتمدين على أدوات معلوماتية ووفق أنماط عمل جديدة، وهو ما زاد من احتمالية ارتكاب أخطاء مهنية جسيمة من نوع جديد، تختلف من حيث الوسائل والنتائج عن تلك التي كانت سائدة عند وضع مدونة الشغل سنة 2003.

وفي الجهة المقابلة، تجد المقاولة نفسها في مواقف كثيرة تدفعها للتفكير في اعتماد الوسائل التكنولوجية عند مباشرة سلطتها التأديبية، والتفعيل الرقمي لمسطرة الفصل، بما يتماشى مع خصوصية الفضاء الذي أصبحت تمارس فيه العلاقة الشغلية.

تأسيسا على ما سبق، فإن الإشكالية التي يطرحها هذا الموضوع تتمثل في مدى قدرة الترسانة القانونية، وفي مقدمتها مدونة الشغل، على مواكبة التحولات التي فرضها العصر الرقمي على مفهوم الخطأ الجسيم للأجير، من حيث مضمونه وآثاره الإجرائية، واستيعاب الامتدادات القانونية التي أفرزها هذا المفهوم في تداخله مع مجالات قانونية أخرى، كحماية المعطيات الشخصية، والحياة الخاصة، والتشريع الرقمي.

وسنحاول الإجابة عن هذه الإشكالية من خلال التقسيم التالي:

المطلب الأول: تطور مفهوم الخطأ الجسيم في البيئة الرقمية

المطلب الثاني: رقمنة الإجراءات الشكلية لمسطرة الفصل التأديبي

المطلب الأول: تطور مفهوم الخطأ الجسيم في البيئة الرقمية

بالنظر إلى التحولات الجذرية التي عرفتها بيئة العمل نتيجة الثورة الرقمية، أصبح من اللازم إعادة تقييم الأسس التي يقوم عليها الخطأ الجسيم كسبب مشروع لإنهاء عقد الشغل. فقد بات من الواضح أن الصور التقليدية للإخلال بالواجبات المهنية لم تعد وحدها كافية لمواكبة التغيرات التي فرضها الواقع الرقمي الجديد.

وإذا كانت المادة 39 من مدونة الشغل قد حددت لائحة غير حصرية لبعض الأخطاء الجسيمة، فإن عمومية صياغتها تتيح إمكانية تكييف بعض منها مع السياق الرقمي. غير أن التطور السريع في أدوات العمل وأساليبه أدى إلى بروز أنماط جديدة من السلوكيات المهنية التي يصعب حصرها أو إدراجها ضمن المفهوم التقليدي للخطأ الجسيم بصيغته الحالية.

بناء عليه، يهدف هذا المطلب إلى التمييز بين صنفين من الأخطاء الجسيمة: أخطاء يمكن تكييفها مع البيئة الرقمية (الفقرة الأولى)، وأخرى مستجدة لم تجد سندا صريحا في نصوص مدونة الشغل، الأمر الذي يثير ضرورة مراجعة الإطار القانوني الحالي وتحديثه لمواكبة واقع العمل في زمن الرقمنة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الأخطاء الجسيمة الرقمية التي تغطيها نصوص مدونة الشغل

لقد عمل المشرع المغربي من خلال المادة 39 مدونة الشغل على وضع لائحة غير حصرية للأخطاء الجسيمة، ومن خلال هذه الفقرة سنحاول عرض بعض أمثلة الأخطاء الجسيمة التقليدية القابلة للتكيف مع البيئة الرقمية.

أولا: إفشاء السر المهني

بالرجوع إلى مدونة الشغل، نجد أنها نصت، بمناسبة تعدادها للأخطاء الجسيمة التي تستوجب الفصل دون تعويض أو إخطار، على إفشاء السر المهني. ويشمل هذا الأخير كل المعلومات التي تعتبرها المقاولة معلومات سرية وحساسة، لا يجوز الإفصاح عنها إلا بموافقة المشغل، ومن ضمنها على سبيل المثال:

  • الأسرار التجارية
  • المعطيات المتعلقة بزبناء المقاولة
  • المعطيات الخاصة بالأجراء، بما في ذلك الأجور ووضعياتهم الاجتماعية.

وفي عصر الرقمنة، أصبح من السهل إفشاء هذه المعلومات ومشاركتها مع الغير، سواء عبر البريد الإلكتروني، أو تطبيقات التواصل الاجتماعي، أو منصات الاجتماعات عن بعد مثل الدردشة، والمكالمات المصورة، والاجتماعات الافتراضية.

وفي واقعة سابقة، اعتبرت محكمة النقض المغربية في أحد قراراتها أن قيام الأجير بإفشاء معلومات تخص مشغله لأحد الزبناء، باستعمال بريد إلكتروني تابع لـ Google، يعد خطأ جسيما. وبناء عليه، فإن قرار محكمة الاستئناف القاضي بصحة الطرد التأديبي كان في محله، حيث جاء في حيثيات القرار:

“إن قيام الأجير بتسريب بعض معلومات المشغلة إلى أحد زبنائها، حسب الثابت من الرسائل الإلكترونية على موقع غوغل، يعتبر إخلالاً منه بمسطرة الاشتغال على موقع غوغل التي التزم بها ووقع عليها. والمحكمة، لما اعتبرته خطأ جسيماً ورتّبت الأثر القانوني على ذلك، تكون قد أعملت سلطتها التقديرية في تقييم أدلة الإثبات المقدّمة إليها، وطبّقت القانون تطبيقا سليما، وجاء قرارها معللا تعليلا كافيا، ولم يخرق أي مقتضى قانوني”.

ثانيا: الاستعمال غير المشروع لأدوات المقاولة لتحقيق ربح شخصي

من بين أبرز صور الإخلال المهني الرقمي التي اعتبرها الفقه والاجتهاد القضائي تشكل خطأ جسيما، نجد الاستعمال غير المشروع للأدوات المعلوماتية الخاصة بالمؤسسة لأغراض ربحية شخصية. فالأجير، حين يستغل الإمكانيات المعلوماتية الموضوعة تحت تصرفه – كالحاسوب، والربط بالإنترنت، وقواعد البيانات – في مزاولة أنشطة ربحية لفائدته الخاصة، خارج المهام المسندة إليه تعاقديا، يكون قد أخل بواجباته المهنية.

ويرتبط هذا السلوك غالبا بإشكالية المنافسة غير المشروعة، خصوصا عندما يمارس الأجير نشاطا مماثلا لنشاط المؤسسة التي يشتغل بها، أو يستثمر خبرته المكتسبة داخلها في تقديم نفس الخدمات أو المنتجات لفائدة زبناء آخرين، دون إذن من المشغل. ويعتبر هذا التصرف موجبا للفصل التأديبي وفق ما استقر عليه الاجتهاد القضائي، خاصة عندما يتضمن عقد الشغل بندا متعلقا بعدم المنافسة، يمنع الأجير من ممارسة أي نشاط ربحي مواز دون ترخيص صريح من المؤسسة.

وقد ذهبت محكمة النقض إلى اعتبار تأسيس الأجير لمقاولة خاصة ومزاولة نشاط منافس باستخدام أدوات عمله المهني دون تصريح، خطأ جسيما يبرر الفصل الفوري من العمل. كما أن التزام عدم المنافسة، وإن لم يكن منصوصا عليه صراحة، لا يعفي الأجير من احترام القواعد العامة للتصرف بحسن نية في علاقته المهنية، وعدم الإضرار بمصالح مشغله باستخدام الوسائل التكنولوجية الموضوعة رهن إشارته داخل المؤسسة.

ثالثا: الإضرار بالبيانات أو المعدات المعلوماتية للمقاولة

في ظل التحول الرقمي الذي تعرفه المقاولات الحديثة، بات التعامل مع البيانات الحساسة عنصرا محوريا في الحفاظ على استقرار المؤسسة وأمنها المعلوماتي. ومن هذا المنطلق، فإن عبء حماية هذه البيانات يقع ضمن الالتزامات المهنية والأخلاقية للأجير، يعد أي إخلال بهذه المسؤولية بمثابة خرق خطير لعقد الشغل.

فقيام الأجير بإتلاف بيانات الشركة من النظام المعلوماتي، سواء من حاسوبه المهني أو من خلال حساب المستخدم الخاص به، يعتبر مساسا بسلامة البنية التحتية الرقمية للمقاولة، ويبرر فصل الأجير لأجل ارتكابه لخطأ جسيم. ويتأكد هذا الطرح حين يمارس السلوك المخالف بشكل عمدي، أو في تجاهل صريح لتوجيهات النظام الداخلي أو ميثاق الاستخدام المعلوماتي الذي يحدد بدقة كيفية التعامل مع المعطيات الرقمية الخاصة بالمقاولة.

فهذا الإخلال يمكن أن يعتبر مخالفة لمقتضيات المادة 22 من مدونة الشغل التي تلزم الأجير بالمحافظة على الوسائل والأشياء الموضوعة تحت تصرفه، وإرجاعها عند نهاية عمله، بما في ذلك المعطيات الرقمية والبرمجيات والمعدات المهنية.

رابعا: التحرش الإلكتروني

يعد التحرش الإلكتروني، التشهير، التنمر أو الإهانة عبر وسائل الاتصال الرقمية الموضوعة رهن إشارة الأجير، من السلوكيات الخطيرة التي باتت تهدد سلامة العلاقات المهنية داخل المقاولة. ويتخذ هذا النوع من السلوك طابعا غير مادي لكنه مؤد نفسيا، ويمارس عادة من خلال البريد المهني أو مواقع التواصل، سواء بشكل علني أو خفي، مما يجعله أكثر صعوبة في الرصد والمعالجة.

تعرف بعض الدراسات المتخصصة التحرش الإلكتروني بأنه: ” قيام فرد باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بهدف مضايقة شخص أو أكثر. وقد تشمل سلوكيات هذا الشخص: التهديدات، الادعاءات الكاذبة، سرقة الهوية والبيانات، الإضرار بالمعدات أو البيانات، أو مراقبة الأجهزة… إن التحرش هو مجموعة من التصرفات والوسائل التي يعلم الشخص العاقل، المتوفر على معلومات معينة عن شخص ثالث، أنها ستسبب له ضيقا نفسيا كبيرا” .

رغم أن مدونة الشغل المغربية لم تشر بشكل صريح إلى التحرش الرقمي، إلا أن بعض مقتضياتها تتيح تكييف هذا السلوك كخطأ جسيم في حال صدوره عن الأجير، مثلما هو منصوص عليه في المادة 39، التي تعتبر من بين الأخطاء الجسيمة: استعمال أي نوع من أنواع العنف…الموجه ضد أجير أو مشغل أو من ينوب عنه.

كما أن المادة 40 من مدونة الشغل تنص على بعض الأخطاء الجسيمة التي قد يرتكبها المشغل ضد الأجير ومن بينها أيضا استعمال أي نوع من أنواع العنف الموجه ضد الأجير، وحالة التحرش الجنسي، وإن كان المشرع هنا قد حصر التحرش في التحرش الجنسي مقصي بذلك التحرش المعنوي، وهي أفعال يمكن أن تتم أيضا عبر أدوات الاتصال الرقمية.

وقد أشار الاجتهاد القضائي المقارن إلى ضرورة اعتبار هذه السلوكيات بمثابة عنف معنوي رقمي، لما تسببه من ضيق نفسي للأجير يصعب مواجهته، لا سيما حين تصدر عن زميل أعلى رتبة، أو عندما تتكرر بشكل منتظم يفقد الضحية القدرة على التركيز والاندماج المهني.

وتذهب بعض الأحكام القضائية إلى اعتبار إرسال الرسائل المهينة، أو تتبع الأجير إلكترونيا، كأفعال تمس أمن وكرامة الأجراء داخل المقاولة، وتبرر الفصل التأديبي أو حتى المساءلة الجنائية في بعض الحالات، خصوصا إن تمت عبر موارد الشركة كالحاسوب أو البريد المهني.

وعموما فإن حماية الفضاء الرقمي داخل المقاولة لم تعد مجرد خيار، بل أصبحت ضرورة ملحة، مما يستدعي توسيع مقتضيات المادة 39 و40 من مدونة لتشمل التحرش المعنوي والرقمي كأحد مظاهر العنف في العمل.

الفقرة الثانية: الأخطاء الجسيمة الرقمية التي قد لا تغطيها نصوص مدونة الشغل

إن بيئة العمل التقليدية التي وضعت فيها اللائحة غير الحصرية للأخطاء سنة 2003، عند صياغة مدونة الشغل، أصبحت اليوم متجاوزة في ظل بيئة العمل الرقمية. فهذه البيئة الجديدة أفرزت مجموعة من الأخطاء الجسيمة الرقمية، التي تخول للمشغل فصل الأجير دون تعويض ودون مهلة إخطار، ما دامت اللائحة الواردة – كما ذكر آنفا – في المادة 39 من مدونة الشغل جاءت على سبيل المثال فقط، ومن بين هذه الأخطاء:

أولا: الاستعمال المفرط للأدوات المعلوماتية خلال وقت العمل لأغراض شخصية

يعتبر الاستخدام المفرط لأدوات المقاولة المعلوماتية، خلال وقت العمل، من بين التصرفات التي قد تكيف كأخطاء جسيمة رقمية، خاصة إذا تجاوز هذا الاستعمال حدود الاستثناء المسموح به عرفا للاتصال بالعالم الخارجي، فالأجير كأي شخص له احتياجاته التواصلية ويحق له الوصول إلى الانترنيت باعتباره حق من حقوق الانسان.

فمع أن المشغل قد يتسامح مع بعض الاستخدامات الشخصية العرضية للأدوات المعلوماتية للمقاولة أو الإنترنت، فإن تجاوز هذا الهامش المقبول، وقضاء ساعات طويلة في تصفح مواقع غير مهنية (مواقع تواصل اجتماعية، ترفيه، سفر…) قد يؤثر سلبا على سير العمل ويخل بالتزامات الأجير التعاقدية.

وفي هذا السياق، شدد الاجتهاد القضائي الفرنسي على أن الاستعمال المفرط للأدوات المعلوماتية للمقاولة خلال وقت العمل يشكل خطأ جسيما، حتى في حال عدم تحقق ضرر مباشر. فقد أيدت محكمة النقض الفرنسية في قرارها الصادر بتاريخ 23 فبراير 2013 فصل أجيرة بسبب استخدامها الإنترنت لأغراض شخصية بمعدل 555 زيارة يوميا لمواقع غير مهنية، مما يبرر إنهاء العلاقة الشغلية دون تعويض.

وفي واقعة أخرى فقد اعتبرت محكمة النقض الفرنسية، في قرار صادر بتاريخ 23 فبراير 2013، أن “الاستخدام المفرط للإنترنت أثناء العمل يشكل خطأ جسيما”، وذلك في نازلة تخص أجيرة قامت بأكثر من عشرة آلاف زيارة لمواقع غير مهنية خلال فترة قصيرة، بمعدل تجاوز 500 اتصال يوميا، شملت مواقع ترفيهية وتجارية وشبكات اجتماعية.

ويستند هذا التوجه إلى اجتهاد قضائي سابق، أكد في مارس 2009 أن تخصيص الأجير لما مجموعه 41 ساعة من وقت العمل لاستخدام شخصي للإنترنت يشكل كذلك خطأ جسيما.

وعليه، فإن هذا النوع من الأفعال يندرج ضمن الأخطاء الجسيمة الرقمية التي ينبغي ضبطها في النظام الداخلي، انسجاما مع سلطة المشغل في تأطير استخدام الوسائل المعلوماتية وتوجيه سلوك الأجراء ضمن بيئة العمل الرقمية.

ثانيا: الدخول إلى مواقع ممنوعة أو غير لائقة

يعد تحميل أو تصفح محتوى غير لائق، لا سيما المواقع الإباحية، باستخدام المعدات المعلوماتية المهنية أثناء العمل من الأفعال التي قد تكيف كأخطاء جسيمة، خصوصا حين تلحق ضررا بسمعة المقاولة. فقد شهدت المحاكم الاجتماعية الفرنسية عدة سوابق في هذا الإطار، أكدت أن هذه الممارسات قد تبرر الفصل إذا ارتكبت خلال ساعات العمل، باستخدام الموارد الرقمية للمقاولة، وبما يخالف النظام الداخلي أو ميثاق الاستخدام المعلوماتي.

ففي إحدى القضايا، أيدت محكمة الاستئناف بفـرنسـا فصل أجير عثر في حاسوبه المهني على أكثر من 500 غيغابايت من المحتويات الإباحية، معتبرة أن مجرد الاحتفاظ بهذه المواد في جهاز تابع للمقاولة يشكل خطأ جسيما. كما أن استغلال البريد المهني لإرسال صور ذات طابع فاضح اعتبر سلوكا مخلا، يمس سمعة المقاولة.

غير أن الاجتهاد القضائي لا يتجه دوما إلى اعتبار مثل هذه التصرفات أخطاء جسيمة بشكل تلقائي، بل يميز بدقة بين الحياة المهنية والحياة الخاصة للأجير، ففي قضية الموظف “G. DENIS”، الذي اتهم باستخدام الإنترنت المهني لولوج مواقع إباحية، تبيّن لاحقا أن الاتصالات حصلت خلال أيام الراحة الأسبوعية، مما دفع قضاة محكمة “Versailles” إلى إبطال قرار الفصل واعتباره تعسفيا.

تبرز هذه الوقائع أهمية التمييز بين الفضاء المهني والفضاء الشخصي، وضرورة تحديد قواعد واضحة في الأنظمة الداخلية للمقاولات، واحترام مبدأ التناسب بين طبيعة الخطأ والجزاء التأديبي المترتب عنه، كما أنها تفتح آفاقا لمناقشة مواضيع قانونية أخرى ذات ارتباط بالحياة الخاصة للأجير كحقه في قطع الاتصال وحقه في حماية حياته الخاصة.

ثالثا: عدم احترام التشريع المتعلق بحماية المعطيات الشخصية

أضحى التعامل مع المعطيات ذات الطابع الشخصي في البيئة المهنية من أبرز التحديات القانونية التي فرضتها الرقمنة، بالنظر إلى كثافة معالجة هذه البيانات واستعمالها المتزايد في مختلف القطاعات. وتعد هذه المعطيات “كل معلومة كيفما كان نوعها بغض النظر عن دعامتها، بما في ذلك الصوت والصورة، والمتعلقة بشخص ذاتي معرف أو قابل للتعرف عليه والمسمى بعده بالشخص المعني.
ويكون الشخص قابلا للتعرف عليه إذا كان بالإمكان التعرف عليه، بصفة مباشرة أو غير مباشرة، ولا سيما من خلال الرجوع إلى رقم تعريف أو عنصر أو عدة عناصر مميزة لهويته البدنية أو الفيزيولوجية أو الجينية أو النفسية أو الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية”.

ويعد خرق المقتضيات القانونية المنظمة لحماية هذه البيانات، وعلى رأسها القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه المعالجة الآلية للمعطيات ذات الطابع الشخصي، خطأ جسيما ذا طابع رقمي، خصوصا إذا نتج عنه ضرر فعلي للمقاولة أو لأطراف خارجية. وتتعاظم خطورة هذا السلوك حين يتعلق الأمر بمعالجة إلكترونية واسعة النطاق، مما يجعل الأجير في موقع المساءلة الجنائية أو المدنية، فضلا عن تعريض المقاولة لعقوبات زجرية بعد معاينة المخالفة من قبل اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات، وإحالتها على النيابة العامة.

كل ذلك يجعل من الإخلال بواجب حماية المعطيات سلوكا مخالف للقانون يمكن اعتباره خطأ جسيما رقميا لا يندرج ضمن لائحة المادة 39، لكنه يستوجب التأديب أو حتى الفصل المباشر، تبعا لخطورته.

رابعا: الجرائم المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات

وبالرجوع إلى القانون رقم 07.03 بشأن الجرائم المتعلقة بنظم المعالجة الآلية للمعطيات نجده قد حدد مجموعة من الأفعال التي يعد ممارسها مرتكبا لفعل إجرامي، ومن بينها:

الاعتداء على المواقع الالكترونية سواء كان ذلك بمسح أو تعديل بيانات أو التلاعب فيها، أو إعاقة تشغيل النظام، كما أن انتهاك السرية والخصوصية للبيانات الشخصية والإضرار بصاحبها، والاطلاع على المراسلات الالكترونية، والإدلاء بالبيانات الكاذبة في إطار المعاملات والعمليات الالكترونية يعد كذلك من أهم صور الركن المادي للجريمة المعلوماتية.

مما يطرح مسألة مدى إمكانية إدخال المشغل لهذه الأفعال ضمن زمرة الأخطاء الجسيمة المرتكبة من قبل الأجير، وبالتالي إعطاء المشغل إمكانية فصله عن العمل دون تعويض حسب ما تقضي به المادة 61 من مدونة الشغل، مع ما يطرحه ذلك من إشكالات تتعلق بإثبات الخطأ الجسيم في ظل محدودة التكوين الفني للمشغل.

المطلب الثاني: رقمنة الإجراءات الشكلية لمسطرة الفصل التأديبي

إذا كان مضمون الفصل لأسباب مرتبطة بالأخطاء الجسيمة قد خضع لتحولات عميقة بفعل البيئة الرقمية على المستوى الموضوعي، فإن الإجراءات الشكلية للفصل لم تسلم بدورها من هذه التحولات. فالوسائل الرقمية، مثل البريد الإلكتروني ومنصات الاجتماعات عن بعد، فتحت المجال لمناقشة مدى إمكانية الاستعانة بهذه الوسائل لتنفيذ المسطرة التأديبية، من التبليغ مرورا بالاستماع وانتهاء بتسليم مقرر الفصل، فالرقمنة يمكن أن تمنح آفاقا رحبة لتحقق الشكلية الاجتماعية، من خلال إخراج هذه الأخيرة وتحريرها من رقبة المسطرة الورقية لصالح أخرى لامادية. وهو ما دفع لإثارة مجموعة من التساؤلات حول مدى احترام الضمانات القانونية المقررة لفائدة الأجير، ومدى استعداد مدونة الشغل المغربية لمواكبة هذا التحول، في ظل غياب نصوص صريحة تؤطر رقمنة مسطرة الفصل، فرغم ثبوت حق المشغل في فصل الأجير بسبب ارتكابه لهذه الأخطاء، فإن مسألة ضمان حقوق الأجير تفرض إقرار ضمانات تلائم طبيعة عقد الشغل الرقمية، سواء في المرحلة السابقة لاتخاذ مقرر الفصل (الفقرة الأولى)، أو في مرحلة تبليغ هذا المقرر (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: رقمنة الإجراءات القبلية لاتخاذ مقرر الفصل

تنص المادة 62 من مدونة الشغل على أنه “يجب، قبل فصل الأجير، أن تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه بالاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عنه بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي بالمقاولة الذي يختاره الأجير بنفسه، وذلك داخل أجل لا يتعدى ثمانية أيام ابتداء من التاريخ الذي تبين فيه ارتكاب الفعل المنسوب إليه.

يحرر محضر في الموضوع من قبل إدارة المقاولة، يوقعه الطرفان، وتسلم نسخة منه إلى الأجير.

إذا رفض أحد الطرفين إجراء أو إتمام المسطرة، يتم اللجوء إلى مفتش الشغل”.

وانطلاقا من هذا المقتضى القانوني، يتبين أن أولى مراحل مسطرة الفصل تتمثل في استدعاء الأجير لجلسة الاستماع، ثم انعقاد هذه الجلسة لإتاحة الفرصة للأجير للدفاع عن نفسه.

أولا: رقمنة استدعاء الأجير لجلسة الاستماع

تشكل جلسة الاستماع أحد الضمانات الجوهرية المخولة للأجير قبل فصله، وهي ضمانة تجد سندها كما تمت الإشارة إلى ذلك سابقا في التشريع المغربي من خلال المادة 62 من مدونة الشغل، التي تنص صراحة على ضرورة تمكين الأجير من الدفاع عن نفسه، وذلك عبر الاستماع إليه من طرف المشغل أو من ينوب عنه، بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي الذي يختاره الأجير.

غير أن التساؤل المطروح في السياق الرقمي هو ما إذا كانت الوسائل الحديثة – كالبريد الإلكتروني أو الرسائل النصية القصيرة (SMS) – تصلح لاستدعاء الأجير بشكل قانوني لحضور هذه الجلسة التأديبية.

على غرار ما تنص عليه مدونة الشغل المغربية، ينص قانون العمل الفرنسي، في الفصل L. 1232‑2 منه على وجوب توجيه استدعاء مكتوب يتضمن سبب الاستدعاء، وتاريخ وساعة ومكان المقابلة، والتذكير بحق الأجير في مؤازرة نفسه، مع احترام أجل خمسة أيام عمل قبل تاريخ انعقاد الجلسة. ويشترط أن يتم الاستدعاء إما عن طريق رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل أو تسليم يدوي مقابل توقيع.

وقد شهد الاجتهاد القضائي الفرنسي تباينا في التعامل مع طرق الإرسال الجديدة. فمن جهة، اعتبرت محكمة النقض الفرنسية في قرار لها أن إرسال الاستدعاء عبر الفاكس لا يعتد به، لكونه لا يضمن إثبات التوصل واحترام أجل الخمسة أيام عمل، وفي المقابل، قبلت محاكم أخرى وسائل بديلة، منها خدمة Chronopost، ما دامت تتيح إثبات تاريخ الإرسال والتوصل، وهو ما يؤكده قرار محكمة الاستئناف الصادر في 8 فبراير 2011.

وتعزز هذه المقاربة رأي بعض الفقهاء، كالأستاذ Tricoit، الذي يرى أنه إذا احتوى البريد الإلكتروني أو الرسالة النصية على جميع البيانات الإلزامية، وتمكن المشغل من إثبات تاريخ الإرسال والتوصل، فيمكن اعتبار هذه الوسائل كافية من حيث الشكل، ما دامت تفي بالغرض الإخباري وتضمن حق الدفاع.

غير أن الواقع العملي أفرز حالات مثيرة للجدل، منها واقعة فصل مجموعة من الأجراء في فرنسا في سنة 2010، بعد أن توصلوا برسالة استدعاء إلى جلسة استماع عبر رسالة نصية قصيرة (SMS) من مشغلهم، وهو ما أثار موجة من الانتقادات النقابية والإعلامية، واعتبر مسا بكرامة الأجير، وتفريغا لضمانة الاستماع من مضمونها القانوني والإنساني، وقد طعن في القرار أمام القضاء الاجتماعي، مما يعكس هشاشة المسطرة عند استخدامها بشكل مفرط في الشكل الرقمي دون مراعاة للبعد الإجرائي للحق في الدفاع.

وبالعودة إلى السياق المغربي، فإن المادة 62 لم تحدد شكل الاستدعاء، والبيانات التي يجب أن يتضمنها هذا الاستدعاء، لكن صدرت عن وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات مذكرة توضيحية لأحكام المادة موضوع النقاش على ضوء الاجتهاد القضائي لتحدد البيانات الواجب توفرها في الاستدعاء، حيث أكدت على أن الاستدعاء يجب أن يتضمن الأخطاء المنسوبة للأجير، تاريخ و ساعة جلسة الاستماع، و مكان إجراء جلسة الاستماع، مع ضرورة الإشارة إلى حق الأجير في المؤازرة من قبل مندوب الأجراء أو الممثل النقابي إن وجد.

وفي رأينا أن استخدام الرسائل النصية القصيرة (SMS) لاستدعاء الأجير لجلسة الاستماع يطرح صعوبات عملية جدية، بالنظر إلى محدودية الحيز المتاح في هذه الوسيلة، مما يصعب تضمين كافة البيانات الإلزامية، كبيان الأفعال المنسوبة إلى الأجير، وتحديد التاريخ والساعة والمكان، والتنبيه إلى حقه في المؤازرة.

في المقابل، يمكن من الناحية التقنية تصور إرسال الاستدعاء عبر البريد الإلكتروني، شريطة تضمينه جميع المعطيات المطلوبة بموجب المادة 62 من مدونة الشغل والمذكرة التوضيحية الصادرة عن الوزارة الوصية على قطاع الشغل، غير أن هذا الحل لا يخلو بدوره من إشكالات قانونية، وعلى رأسها مدى إمكانية إثبات توصل الأجير فعليا بهذا البريد، وهو ما يجعل من اعتماد هذه الوسائل الرقمية في هذا السياق مسألة تظل رهينة بوجود تأطير تشريعي أو توجيه قضائي يحسم في حجيتها وإجراءات إثباتها.

ثانيا: الحضور الافتراضي لجلسة الاستماع

مع التطور المتسارع في وسائل التواصل الرقمي، أصبحت تقنية الفيديو تستخدم بشكل متزايد في بيئة العمل، خاصة في سياقات التشغيل والاجتماعات المهنية. لكن السؤال المطروح هو: هل يمكن اعتماد المقابلة عن بعد، عبر تقنية الفيديو، في إطار مسطرة الاستماع للأجير قبل الفصل؟

في ظل غياب نص صريح في التشريع المغربي ينظم الوسائل الإلكترونية المعتمدة في إجراءات التأديب، تبقى المادة 62 من مدونة الشغل هي الإطار المرجعي. إذ تشترط هذه المادة، قبل فصل الأجير، تمكينه من فرصة الدفاع عن نفسه عبر جلسة استماع تجرى بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي الذي يختاره الأجير بنفسه، وذلك داخل أجل لا يتعدى ثمانية أيام من تاريخ تبين الفعل المنسوب إليه. كما تنص على وجوب تحرير محضر في هذا الشأن يوقعه الطرفان وتسلم نسخة منه للأجير.

وفي ضوء النقاشات المقارنة، خصوصا في فرنسا، تم اعتبار إمكانية عقد جلسة الاستماع عن بعد جائزة في بعض الحالات، مثلما أقرته محكمة النقض الفرنسية، خاصة في حالات العمل عن بعد (télétravail)، حيث يعتبر منزل الأجير هو نفسه مكان العمل، كما أننا في عصر رقمي أصبحنا نتحدث فيه وجود مقاولة افتراضية (l’entreprise virtuelle) لا تعترف بوحدة المكان ولا بالحدود الجغرافية التي تحكم المقاولة في شكلها التقليدي، و بناء على ذلك اعتبر الاجتهاد القضائي الفرنسي أن المقابلة يمكن أن تجرى خارج مقر المقاولة أو مكان تنفيذ العمل في هذه الحالات، أو إذا وجد سبب مشروع يبرر ذلك، كحالة الظروف استثنائية مثل جائحة أو إغلاق إداري.

غير أن استخدام تقنية الفيديو في هذا السياق يجب أن يخضع لضوابط محددة لضمان الحق في الدفاع واحترام التمثيلية النقابية، فضلا عن سرية المحادثات وعدم المساس بالضمانات الجوهرية. إذ إن جلسة الاستماع، رغم كونها إجراء شكليا، تبقى مكرسة لمصلحة الأجير، ويفترض أن تضمن له التعبير عن موقفه في ظروف عادلة.

وفي هذا الإطار، يتعين على المشغلين، في حال اعتماد الرقمنة في جلسات الاستماع، أن يحيطوا هذه العملية بضمانات إجرائية واضحة، أهمها ضمان الحضور الافتراضي للطرف المؤازر للأجير سواء كان مندوب الأجراء أو الممثل النقابي إن وجد، وتحرير محضر يتضمن الإشارة إلى أن الجلسة جرت عن بعد، مع إثبات هوية الأطراف وتوقيع الحضور.

ضرورة وإلزامية التوقيع على محضر الاستماع يقودنا إلى إشكال قانوني آخر يتعلق بمسألة التوقيع الالكتروني، مادام أن الأطراف في أماكن مختلف ولا يجمعهم مجلس واحد، ووعيا من المشرع المغربي بأهمية هذه المؤسسة القانونية في عصر أصبحت فيه الرقمنة ضرورة ملحة خصها بتنظيم قانوني ضمن القانون رقم 53-05 المتعلق بتبادل المعطيات بشكل الكتروني ومنح للتوقيع الالكتروني نفس القوة الثبوتية للتوقيع اليدوي.

الفقرة الثانية: رقمنة الإجراءات البعدية لاتخاذ مقرر الفصل

من أهم المراحل التي تتبع مرحلة اتخاذ مقرر الفصل نجد ضرورة تبليغ الأجير مقرر الفصل، بالإضافة إلى توجيه نسخة من هذا الأخير إلى العون المكلف بتفتيش الشغل.

أولا: رقمنة إشعار الفصل ومدى مشروعيته القانونية

يعد إشعار الأجير بقرار فصله من العمل أيضا إجراء جوهريا في مسطرة الفصل، إذ يمثل لحظة

حاسمة تنهي العلاقة التعاقدية. وقد أولى المشرع المغربي أهمية كبرى لهذا الإجراء، إذ نص في المادة 63 من مدونة الشغل على أنه “يجب تبليغ مقرر الفصل إلى الأجير المعني بالأمر يدا بيد مقابل وصل، أو بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل، وذلك داخل أجل ثماني وأربعين ساعة من تاريخ اتخاذ المقرر المذكور”.

في التشريع المقارن، وتحديدا في فرنسا، نص الفصل L.1232-6 من قانون العمل الفرنسي على أن قرار الفصل يجب أن يبلغ كتابة، وأن يرسل عبر رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل إلى عنوان الأجير، موقعة من طرف المشغل أو من ينوب عنه. ورغم ذلك، فإن الاجتهاد القضائي الفرنسي يعتبر أن هذا الشكل ليس سوى وسيلة إثبات قانونية، ويمكن اعتماد أي وسيلة أخرى تحقق نفس الغرض الإثباتي، شرط إمكانية التحقق من تاريخ الإرسال والتوصل.

وفي السياق الرقمي طرحت إشكالية مدى قانونية تبليغ مقرر الفصل عن طريق رسالة مضمونة إلكترونية، ومدى استجابتها للضمانات الشكلية المطلوبة قانونا. فعلى الرغم من أن المادة 1369-8 من القانون المدني الفرنسي تنص على إمكانية استعمال الرسالة المضمونة الإلكترونية بالنسبة لإبرام أو تنفيذ العقود، إلا أنها لم تشر صراحة إلى إمكانية فسخ العقود بهذه الوسيلة. غير أن الجواب الوزاري رقم 191 المؤرخ في 11 يونيو 2013 ذهب إلى تأويل مرن لهذه المادة، معتبرا أن فسخ العقد لكونه مترتبا في أحيان كثيرة عن إخلال أحد الطرفين بالتزاماته يمكن إدراجه ضمن مفهوم تنفيذ العقد، وبالتالي يجوز تبليغ الفسخ برسالة مضمونة إلكترونية.

هذا التوجه يكرس إدماج الوسائل الرقمية في الإجراءات القانونية، ويستند إلى القانون الفرنسي المؤرخ في 21 يونيو 2004 بشأن الثقة في الاقتصاد الرقمي، الذي ساوى بين القيمة الإثباتية للوسائل الإلكترونية وتلك الخاصة بالكتابات الورقية.

غم أن مدونة الشغل المغربية لم تنص صراحة على إمكانية تبليغ الأجير مقرر الفصل عبر البريد الإلكتروني، إلا أن القانون 05-53 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية قد فتح الباب أمام الاعتراف بالرسائل الإلكترونية كوسائل قانونية ذات قوة إثباتية، شريطة التحقق من مصدرها وسلامة توقيعها الإلكتروني، مما قد يدعم مشروعية التوجه نحو رقمنة إجراءات الفصل في إطار قانوني واضح.

ثانيا: توجيه نسخة من مقرر الفصل رقميا للعون المكلف بتفتيش الشغل

تنص المادة 64 من مدونة الشغل على ضرورة توجيه نسخة من مقرر الفصل إلى العون المكلف بتفتيش الشغل، وهنا يطرح تساؤل حول مدى إمكانية اعتماد الوسائل الرقمية في هذا الإطار خاصة إذا كانت تضمن الإثبات المؤرخ للتوصيل، كالإرسال عبر منصة رقمية رسمية إذا كانت متاحة، وذلك انسجاما مع متطلبات السرعة، والأرشفة، وتتبع المعاملات الإدارية.

في هذا السياق أطلقت وزارة الادماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات منصة إلكترونية تحت اسم “شغل كوم ” أو “choghlcom” في إطار استراتيجية الرقمنة التي اعتمدتها، وتهدف هذه المنصة لتحديث وتوحيد وتبسيط آليات اشتغال مفتشي الشغل، من خلال تقليص العمل الورقي، وتوفير قاعدة بيانات مركزية، وتسهيل الولوج إلى المعطيات والمراسلات المرتبطة بنشاط التفتيش.

غير أن هذا النظام، ورغم أهميته، يظل إلى حدود الساعة موجها حصريا إلى الأطر الإدارية والتقنية داخل الوزارة من مفتشين وأطباء ومهندسين مفتشي الشغل والمدراء الإقليميين والجهويين، دون أن يشمل بعد المشغلين أو الأجراء.

ومن شأن تطوير هذا النظام لاحقا ليشمل إمكانية إحداث حسابات إلكترونية خاصة بالمقاولات، أن يحدث تحولا جذريا في طريقة تدبير العلاقة بين الإدارة والمشغل، بما في ذلك تبادل الوثائق، وإيداع محاضر الاستماع أو نسخ مقرر الفصل عبر وسائط إلكترونية، دون الحاجة للتنقل إلى مقرات المديريات الجهوية أو الإقليمية.

خاتمة

صفوة القول، البيئة الرقمية المعاصرة فرضت تحولات عميقة على مفهوم الخطأ الجسيم، سواء من حيث طبيعته ومظاهره أو من حيث المسطرة التأديبية التي تستتبع ارتكابه. هذه التحولات تضعنا أمام واقع قانوني جديد، لا تكفي فيه النصوص التقليدية كما وضعت سنة 2003 لمواكبة التعقيدات التي تفرزها الممارسات المهنية الرقمية.

وإذا كانت بعض مقتضيات مدونة الشغل المغربية قد أبانت عن مرونة نسبية مكنتها من التكيف مع بعض صور الخطأ الجسيم الرقمي، فإن نصوصا أخرى ظلت عاجزة عن استيعاب هذه التحولات ولم تستطع مواكبتها، مما جعلها في موقع متأخر مقارنة بواقع الممارسة داخل المقاولة الرقمية.

في هذا السياق، يبرز دور الأنظمة الداخلية للمقاولات واتفاقيات الشغل الجماعية كآليات بديلة قادرة على إدراج التحولات الرقمية ضمن السياسات العامة للمقاولة، وتأطير السلوكيات المستجدة في غياب نصوص صريحة، بما يضمن نوعا من الأمن القانوني لأطراف العلاقة الشغلية.

كما تبرز أهمية التكوين المعلوماتي لكلا طرفي العلاقة الشغلية، سواء الأجير الذي ينبغي تأهيله لفهم مخاطر التصرفات الرقمية التي قد تعد أخطاء جسيمة وتعرضه للفصل، أو بالنسبة للمشغل، الذي يحتاج بدوره إلى تكوين يمكنه من رصد التجاوزات الرقمية وتقييم مدى خطورتها وانعكاسها على المشروع الاقتصادي.

لائحة المراجع

المراجع باللغة العربية

  • مدونة الشغل المغربية، ظهير شريف رقم 1.03.194 صادر في 14 رجب 1424 (11 شتنبر 2003)، الجريدة الرسمية عدد 5167 بتاريخ 8 أكتوبر 2003، ص 3430.
  • القانون رقم 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ظهير شريف رقم 1.09.15 صادر في 22 صفر 1430 (18 فبراير 2009)، الجريدة الرسمية عدد 5714 بتاريخ 5 مارس 2009، ص 418.
  • القانون رقم 07.03 بتتميم مجموعة القانون الجنائي فيما يتعلق بجرائم نظم المعالجة الآلية للمعطيات، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1 .03 .197 بتاريخ 16 رمضان 1424 (11 فبراير 2003)، الجريدة الرسمية عدد 5171 بتاريخ 1424 (22 ديسمبر 2003)، ص 4284
  • القانون رقم 53.05 المتعلق بتبادل المعطيات القانونية بطريقة إلكترونية، ظهير شريف رقم 1.07.129 صادر في 19 من ذي القعدة 1428 (30 نوفمبر 2007)، الجريدة الرسمية عدد 5584 بتاريخ 6 دجنبر 2007، ص 3873.
  • بولنوار عبد الحق، مراقبة الأجير بوسائل التكنولوجيا الحديثة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة مولاي إسماعيل، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية مكناس السنة الجامعية 2022/2021.
  • ياسين النعماني، التحولات المؤسساتية للشغل في ظل التطورات التكنولوجيا رسالة لنيل دبلوم الماستر في القانون الخاص تخصص: قانون المقاولة، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي الرباط، 2017/2018.
  • سميع آمنة، عقد العمل عن بعد والحماية القانونية لحق الأجير في الخصوصية، المؤتمر الدولي “الرقمنة والقانون: تطلعات المستقبل في الدول العربية”، يومي 15 و16 يوليوز2022.
  • قاديري مولاي حفيظ علوي، تحولات عقد الشغل في العصر الرقمي، من أشغال الندوة العلمية الوطنية التي نظمها مختبر الدراسات القانونية والمدنية والعقارية، يومي 25 و26 نونبر 2022.
  • محمد بومديان، حقوق الأجراء الرقمية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 174، يناير-فبراير، 2024.

سميرة كميلي، قانون الشغل والتطورات التكنولوجية، مجلة القانون المغربي، العدد 13مارس 2009.

خالد بوقيش، الرقمنة وتحولات عالم الشغل، محاضرة مصورة نظمتها جامعة السيدة الحرة غير النظامية للديمقراطية والمساواة، قناة ASSOCIATION ASSAIDA AL HORRA، منشورة على يوتيوب،

[https://www.youtube.com/watch?v=mMniMzOMPDg]، 17 فبراير 2021.

Bibliographie en langue française

  • Code du travail français) www.legifrance.gouv.fr ).
  • Larher, Yann-Maël Yml, Les relations numériques de travail, Thèse de doctorat en droit, Université Paris II Panthéon-Assas, 2017.
  • El Kouiti, Issam, « Le salarié, l’ordinateur et la faute : Étude à la lumière de la jurisprudence sociale », Revue Droit & Société, Institut des Études Sociales et Médiatiques, n°10, février 2024.
  • Bocij, P. et McFarlane, L. (2002). « Online harassment: Towards a definition of cyberstalking », Prison Service Journal, n° 139.
  • Weber, Claudia et Duchêne, Arthur, « Licenciement pour faute grave pour usage excessif d’Internet », Village de la Justice, 28 mars 2013. Disponible sur : https://www.village-justice.com/articles/licenciement-pour-faute-grave-utilisation-excessive-internet,14175.html

Rép. min. n° 191 : JOAN Q, 11 juin 2013, p. 6207, https://questions.assemblee-nationale.fr/q14/14-191QE.htm



Source link

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لو تتكرم بدعمنا ، وقم بتعطيل إضافة مانع الإعلانات لتصفح المحتوى .