دور محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل في الحد من نزاعات الشغل الفردية ” دراسة في مدونة الشغل الموريتانية” الدكتور: المختار باباه

[]

 

دور محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل في الحد من نزاعات الشغل الفردية

” دراسة في مدونة الشغل الموريتانية”

The Role of Conciliation Proceedings before Labor Inspectors in Reducing Individual Labor Disputes

A Study of the Mauritanian Labor Code””

الدكتور: المختار باباه

دكتور في القانون الخاص من كلية القانون بجامعة نواكشوط

هذا البحث منشور في مجلة القانون والأعمال الدولية الإصدار رقم 59 الخاص بشهر غشت / شتنبر 2025
رابط تسجيل الاصدار في DOI
https://doi.org/10.63585/KWIZ8576
للنشر و الاستعلام
mforki22@gmail.com
الواتساب 00212687407665

دور محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل في الحد من نزاعات الشغل الفردية

” دراسة في مدونة الشغل الموريتانية”

The Role of Conciliation Proceedings before Labor Inspectors in Reducing Individual Labor Disputes

A Study of the Mauritanian Labor Code””

الدكتور: المختار باباه

دكتور في القانون الخاص من كلية القانون بجامعة نواكشوط

ملخص:

أقرت مدونة الشغل الموريتانية مسطرة التوفيق الإلزامية أمام مفتش الشغل كآلية ودية لتسوية النزاعات الفردية قبل اللجوء إلى القضاء، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وتخفيف العبء القضائي. تتميز هذه المسطرة ببساطتها وسرعتها وإلزاميتها، حيث يُطلب من الأطراف تقديم طلب مكتوب، ثم استدعاؤهم خلال 8 أيام لمحاولة التوفيق. إذا نجحت المسطرة، يُحرر محضر ملزم كسند تنفيذي، وإلا يُحال النزاع إلى المحكمة. رغم فوائدها، أثارت المسطرة جدلاً فقهياً حول مدى توافق دور المفتش التوفيقي مع مهمته الرقابية، كما تواجه تحديات عملية مثل نقص الموارد البشرية والمادية وضعف التكوين، مما يستدعي تعزيز الاستقلالية والكفاءة لضمان فعاليتها.

Abstract :

The Mauritanian Labor Code establishes mandatory conciliation proceedings before the labor inspector as an amicable mechanism for resolving individual disputes prior to judicial recourse. This procedure aims to promote social justice and alleviate the burden on the judiciary. Characterized by its simplicity, expediency, and mandatory nature, the process requires parties to submit a written request, after which they are summoned within eight (8) days for conciliation attempts. If successful, a binding report is issued, serving as an enforceable instrument. If unsuccessful, the dispute is referred to the court.

Despite its benefits, this procedure has sparked doctrinal debate regarding the compatibility of the labor inspector’s conciliatory role with their supervisory mandate. Additionally, it faces practical challenges, such as insufficient human and material resources and inadequate training. These issues necessitate strengthening institutional autonomy and competence to ensure the mechanism’s effectiveness.

تتسم العلاقة بين العامل وصاحب العمل بطبيعة خاصة، نظراً لتداخل الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعلها عرضةً لنشوب نزاعات فردية أثناء تنفيذ عقد العمل. ولما كانت هذه النزاعات تنعكس سلباً على استقرار العلاقة الشغلية، بل وعلى المناخ الاقتصادي عامةً، فقد حرص المشرع الموريتاني – في مدونة الشغل – على تبني إجراءات استثنائية مبسطة لمعالجتها، تماشياً مع مقتضيات العدالة الاجتماعية وضرورات الحفاظ على التوازن بين طرفي العقد.

ومن هذا المنطلق، أرسى المشرع آلية “محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل” كمرحلة إجرائية إلزامية، تُكرَّس لتسوية المنازعات الفردية ودياً قبل اللجوء إلى القضاء، وذلك انطلاقاً من حساسية العلاقة الشغلية وما تتطلبه من سرعة في البت. وقد نظم هذه الآلية في الفصل الأول من الباب الأول (الكتاب الثاني) من المدونة، حيث حدد إجراءاتها وآثارها القانونية، مع تقرير بطلان أي دعوى تُرفع أمام المحكمة دون استنفاذ هذه المسطرة الودية.

وعلى الرغم مما تُحققُه هذه الآلية من نجاعة عملية – بفضل ما يمتلكه مفتش الشغل من خبرة في المجال الاجتماعي – إلا أنها أثارت جدلاً فقهياً حول مدى مشروعية إسناد مهمة التوفيق إلى جهة إدارية ذات طابع رقابي، بما قد يُناقض طبيعة دورها الأصلي.

ويُعد إقرار مسطرة التوفيق أحد أبرز المستجدات التي جاءت بها مدونة الشغل، سعياً لتخفيف العبء عن القضاء، وتكريساً لمبادئ العدالة الاجتماعية عبر تسريع فض النزاعات، بما يضمن حقوق الأطراف مع الحفاظ على استمرارية المؤسسات الاقتصادية.

وللإحاطة بهذا الموضوع، سنتناوله في فقرتين على النحو التالي:

الفقرة الأولى: الإطار المفاهيمي لمحاولة التوفيق والجدل الفقهي حولها.

الفقرة الثانية: الإجراءات القانونية لمسطرة التوفيق وآثارها على المنازعات الفردية.

الفقرة الأولى: مفهوم محاولة التوفيق والجدل الفقهي حولها.

عنون المشرع الفصل الأول من الباب الأول من الكتاب الخامس من مدونة الشغل بمحاولة التوفيق أمام مفتش الشغل دون أن يعطي تعريفا لهذه المسطرة، تاركا مهمة التعريف للفقه.

ورغم تكريس المشرع لهذه المسطرة وما لها من دور إيجابي في حلحلة النزاعات الفردية بين طرفي عقد العمل إلا أن بعض الفقه يعتبر قيام مفتش بهذا الدور يعارض مهمته الرقابية.

ولتفصيل هذا الموضوع سنتطرق أولا لتعريف محاولة التوفيق وخصائصها، على أن نتطرق ثانيا لموقف الفقه منها

أولا: تعريف محاولة التوفيق وخصائصها

اختلفت تسميات هذه المسطرة باختلاف تشريعات العمل، حيث سماها والمشرع الموريتاني بمحاولة التوفيق، والمشرع المغربي بالصلح التمهيدي()، والمشرع الجزائري بمحالة الصلح() ، لكنهم شبه متفقين على مضمونها وإجراءاتها.

فالمشرع الموريتاني رغم إسهابه في تفاصيل محاولة التوفيق الودية إلا أنه لم يقم بتعريفها، لكن يمكن تعريفها بأنها” إجراء إداري يتم أمام مفتش الشغل المختص قبل عرض أي نزاع فردي أمام القضاء بهدف التسوية الودية للنزاع القائم بين طرفي عقد العمل”().

وتبعا لذلك تتميز هذه المسطرة بخصائص منها أنها:

تنعقد مسطرة التوفيق أمام مفتشية الشغل باعتبارها جهة إدارية تابعة لوزارة الوظيفة العمومية والعمل، مما يضفي عليها الطابع الإداري الصرف. وتستمد المفتشية اختصاصها في هذا المجال من الصلاحيات المخولة لها قانونا بموجب أحكام مدونة الشغل. ()

تتميز مسطرة محاولة التوفيق بين العامل وصاحب العمل أو الصلح التمهيدي بينهما عن المسطرة القضائية بأنها تشكل مرحلة سابقة على التقاضي مع احتفاظها ببعض عناصر العمل القضائي من حيث: وجود طرفين متنازعين، وجهة مختصة بالنظر في النزاع، إضافة إمكانية التوصل إلى حل للنزاع ملزم للطرفين ().

أوجب المشرع الموريتاني استنفاد مسطرة التوفيق أمام مفتش الشغل كشرط لقبول أي دعوى أمام القضاء المختص()، حيث نصت المادة:292 من مدونة الشغل على أنه:” قبل عرض أية قضية على أنظار محكمة الشغل، يجب على صاحب العمل أو العامل أن يطلب رفع الخلاف الفردي من أجل محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل أو مراقب الشغل أو نائبه القانوني…”

وحسنا فعل مشرعنا بإقراره هذا الإجراء، لأن اتباع هذه المسطرة الودية لتسوية النزاعات الفردية قبل اللجوء إلى القضاء يوفر للعامل الوقت والجهد والسرعة في الحصول على حقوقه، كما يمكن من المحافظة على العلاقة الودية بين طرفي عقد العمل، كما أنه يخفف العبء عن محاكم الشغل().

بينما نجد بعض التشريعات المقارنة تجعل محاولة الصلح مسطرة اختيارية لطرفي النزاع قبل اللجوء إلى القضاء، حيث نجد المشرع المغربي في مدونة الشغل ينص في المادة: 41على أنه:” “يمكن للأجير ….”، وكلمة “يمكن” تفيد الاختيار وليس الوجوب، كما نص في الفقرة الأخيرة من المادة 19 من مدونة الشغل بشكل أكثر صراحة على أنه” يجوز للمشغل والأجراء اللجوء إلى الصلح التمهيدي طبقا للمادة 41 أعلاه أو اللجوء إلى المحكمة للبت في النزاع”.

ومعنى ذلك أنه يبقى من حق العامل الذي يوجد في حالة نزاع مع صاحب العمل اللجوء مباشرة إلى المحكمة لرفع دعواه. لكن اعتبار مسطرة محاولة التوفيق مسطرة اختيارية لا يعني عدم اعتبار النتيجة المتوصل إليها من خلال ذلك الصلح، خاصة إذا ما كانت النتيجة إيجابية وتم التوصل إلى حل، فإن هذا الحل ملزم لطرفيه، أما إذا كانت النتيجة سلبية وباءت المسطرة بالفشل، فيبقى من حق العامل اللجوء إلى تحريك الدعوى القضائية أمام المحكمة المختصة ().

سوى المشرع الموريتاني في تقريره لمسطرة محاولة التوفيق بين العامل وصاحب العمل في حق المبادرة بطلب التوفيق، حيث منح كلا الطرفين الحق في تحريك هذه المسطرة وفقا لأحكام المادة:292 من مدونة الشغل التي نصت على أنه:” قبل عرض أية قضية على أنظار محكمة الشغل، يجب على صاحب العمل أو العامل أن يطلب رفع الخلاف الفردي من أجل محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل أو مراقب الشغل أو نائبه القانوني…” وإن كان التوجه العام لمدونة الشغل هو حماية الطرف الأَضعف في عقد العمل وهو العامل، وفي هذه المسطرة بشكل خاص، حيث جعل كل إجراءاتها سهلة ومجانية.

هذه الخصائص تجعل من مسطرة التوفيق في التشريع الموريتاني أداة فريدة تسعى إلى تحقيق التوازن بين حماية حقوق العمال وضمان استمرارية علاقة العمل.

حددت مدونة الشغل الموريتانية لمفتش الشغل مجموعة من المهام()، من أهمها الرقابة على مدى تطبيق مختلف التشريعات والنصوص التنظيمية المتعلقة بعقد العمل داخل مختلف المؤسسات الخاضعة لمدونة الشغل، إلا أن مدونة الشغل أضافت لمهام مفتش الشغل مهمة أخرى لا تقل أهمية عن مهمة الرقابة، بعد أن أملتها ظروف الواقع العملي، ألا وهي محاولة التوفيق بين الأطراف التي تناولناها في المطلب السابق، إلا أن إقرار هذه المهمة لمفتش الشغل من طرف أغلب قوانين العمل المقارنة لم يحل دون استمرار الجدل بين فقهاء القانون حول مدى شرعية إسناد هذه المهمة لمفتش الشغل، حيث انقسموا بين مؤيد لذلك ومعارض له.

لذلك سنتناول هذا المطلب في فرعين، نتناول في الأول منهما الموقف الفقهي المؤيد لهذه المسألة، على أن نتناول في الفرع الثاني الموقف المعرض لها.

ذهب أصحاب هذا الاتجاه إلى أن مفتش الشغل يجب أن تسند له هذه المهمة نظرا للعلاقة التي تربط بينه وبين طرفي عقد العمل، فهو على احتكاك دائم مع العمال وأصحاب العمل، وعلى اطلاع واسع على أدق التفاصيل في العلاقة بينهما، مما يجعله جديرا بتولي هذه المهمة، فالواقع أثبت أن أغلب النزاعات التي عرضت على مفتشية الشغل من أجل إجراء مصالحة بشأنها قد حلت بطريقة ودية دون اللجوء إلى القضاء ()، مما قد يكون له الأثر الإيجابي في تخفيف الضغط على محاكم الشغل.

كما أيد أصحاب هذا الاتجاه رأيهم بأن التسوية الودية للنزاع أمام مفتش الشغل لها دور كبير في المحافظة على السلم الاجتماعي، وإقرار العدالة التصالحية، مما يجعل هذا الدور الذي أوكل إلى المفتش مكرسا بفعل واقع قد أملته ظروف المشاكل الاجتماعية وطبيعتها().

وفي هذا الاتجاه سارت مدونة الشغل الموريتانية، حيث أقرت مهمة محاولة التوفيق لمفتش الشغل، ولم تكتف بذلك وإنما جعلتها إجبارية قبل اللجوء إلى القضاء ()، وحسنا فعلت، لأن اعتماد هذه المسطرة لتسوية النزاعات المتعلقة بالأجر تجلب الكثير من المنافع للعامل وصاحب العمل، وتجنبهم الكثير من المضار، لأنها تتسم بالسرعة والبساطة، وتحافظ على العلاقة الودية بين طرفي عقد العمل.

ورغم أن المادة:369 التي عددت مهام مفتش ومراقب الشغل لم تذكر من ضمنها مهمة محاولة التوفيق بين طرفي النزاع، لكنها أبقت الباب مفتوحا لإسناد مهام أخرى لمفتش الشغل، بشرط ألا تتعارض هذه المهام مع مهمته الرقابية، ولا يؤثر مع على مبدأ الحياد بين الخصوم الذي يجب أن يتصف به المفتش ()، حيث نصت المادة:292 من مدونة الشغل() على إسناد هذه المهمة لمفتش أو مراقب الشغل، مما يعني أنها لا تتعارض مع المهام التي ذكرتها المادة:369 من مدونة الشغل.

و عموما يمكننا القول إن الاتجاه المؤيد لقيام مفتش الشغل بمحاولة التوفيق والذي تبنته مدونة الشغل الموريتانية يعتبر مسلكا محمودا بالنظر للاعتبارات السالف ذكرها، وأيضا لأن قياس المنافع والأضرار التي قد تنجم عن هذا الإجراء سيؤدي لا محالة إلى غلبة المنافع، فالتوفيق الذي يجريه مفتش الشغل له الكثير من الآثار الإيجابية والتي يوجد على رأسها بساطة المسطرة وسرعتها والفعالية التي تتميز بها ، وفي المقابل، نعتقد أن قيام مفتش الشغل بمحاولة التوفيق لا يؤثر على مهمته الرقابية وليس له أي أثر على مركزه القانوني، بل إن ذلك يتوقف فقط على مهارة وحنكة مفتش الشغل.

يرى جانب كبير من الفقه أن قيام مفتش الشغل بمحاولة تسوية النزاعات الفردية غير قانوني، ويرجعون ذلك إلى عدة أسباب، منها: أن تلك المهمة تتعارض مع مهامه في مجال الرقابة، لأن الموفق بين طرفي النزاع ينبغي أن يكون لينا مرنا ودبلوماسيا، وذلك من أجل استمالة الأطراف، ومحاولة تقاربهم، ودفعهم إلى الصلح، وهذا في نظرهم يفقد المفتش ما يجب أن يتصف به من الهيبة والصرامة، خاصة أمام صاحب العمل، لأن المفتش هو الذي يسهر على تطبيق القوانين والنظم داخل المؤسسة().

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن تكريس هذه المهمة يشكل تعارضا مع المهمة الأساسية للمفتش وهو الرقابة، وبالتالي يكون له أثر سلبي عليها، لأن المفتش عندما يتدخل من أجل منح العامل أجرا أو تعويضا أو علاوة يجعله ذلك في موقف ضعيف أمام صاحب العمل، بل إن موافقة صاحب العمل على طلبات المفتش هذه قد يكون مقابل غض طرفه عن بعض المخالفات التي قد تحدث داخل المؤسسة. وهذا هو ما جعل البعض يقول إن إسناد هذه المهمة للمفتشين وتكريسها في قوانين العمل لم يكن موفقا ().

من خلال ما سبق نجد أن كلا الاتجاهين يستند إلى أسس موضوعية، مما يجعل الأمر بحاجة إلى موازنة دقيقة بين متطلبات العدالة الاجتماعية، وضرورة الحفاظ على فعالية الجهاز الرقابي، وحماية حقوق الأطراف.

ويبقى التطبيق العملي هو المعيار الحقيقي لتقييم جدوى هذه المسطرة، مع ضرورة وضع ضوابط تكفل تحقيق التوازن المطلوب بين هذه الاعتبارات المتعارضة.

إضافة إلى المهام التي كلف المشرع بها مفتشي الشغل، من رقابة على تطبيق القوانين والنظم التي تتعلق بعقد العمل أقر المشرع لهم مهمة أخرى لا تقل أهمية عن باقي المهام السابقة، ألا وهي محاولة التوفيق بين طرفي عقد العمل عندما ينشب نزاع بينهما بسبب عدم تطبيق أحد بنود عقد العمل كالأجر مثلا.

وتعتبر محاولة التوفيق أو المصالحة آلية وقائية من أجل احتواء كل الخلافات وتسويتها قبل أن تصل إلى القضاء المختص، ونتائجها ملزمة لطرفي عقد العمل. وقد كرس المشرع هذه الآلية في مدونة الشغل مسايرا بذلك غيره من التشريعات المقارنة، حيث نصت على هذه المسطرة في المواد 292 وما بعدها.

ومن أجل التعرض لهذه الإجراءات بالتفصيل سنتناول أولا مسطرة محاولة التوفيق، على أن نتناول ثانيا آثارها، إضافة إلى العراقيل التي تحد من فعاليتها.

هذه المسطرة الودية لمحاولة تسوية النزاع الفردي تتطلب تدخل مجموعة من الأطراف: العامل وصاحب العمل من جهة، ومفتش أو مراقب الشغل من جهة ثانية().

كما يتطلب أيضا اتباع بعض الإجراءات الخاصة من الوصول إلى اتفاق بين هذه الأطراف، وهذه الاجراءات تتميز بالبساطة والسرعة خدمة للعامل، ومراعاة لحساسية النزاعات في ميدان الشغل وضرورة احتوائها بسرعة، لكيلا تؤثر على مصالح الطرفين.

وتتمثل هذه الإجراءات فيما يلي:

أوجب المشرع على طرفي عقد العمل عند حدوث نزاع فردي بينهما وخاصة النزاعات المتعلقة بالأجر أن يقدم أحدهما طلبا إلى مفتش أو مراقب الشغل من البدء في محاولة التوفيق أو المصالحة بينهما، وجعل المشرع هذه الخطوة إجبارية، لا يمكن تجاوزها من أحد الأطراف واللجوء إلى القضاء مباشرة.

وحسنا فعل مشرعنا لأن اتباع هذه المسطرة الودية لتسوية النزاعات الفردية قبل اللجوء إلى القضاء يشكل ضمانا لحصول العامل على حقوقه ويوفر له الوقت والجهد والسرعة في الحصول عليها، كما يمكن من المحافظة على العلاقة الودية بين طرفي عقد العمل، لأن مغبة التقاضي تورث الضغائن بين المتخاصمين، كما أنه يخفف الضغط على محاكم الشغل.

وهذا الطلب الذي يجب تقديمه من طرف أحد أطراف عقد العمل أمام مفتش الشغل ألزم المشرع أن يكون مكتوبا ()، لكنه لم يحدد أجلا معينا لتقديم هذا الطلب إلى مفتش الشغل، عكس ما فعل بعض تشريعات العمل المقارنة () بالرغم مما يشكله ذلك من أهمية قد تنعكس بشكل إيجابي على محاولة التوفيق.

وعلى العموم ينبغي لأحد الأطراف تقديم الطلب في آجال معقولة لئلا يتفاقم النزاع بين الأطراف، لأنه كلما قدم طلب التوفيق بسرعة كلما كانت نتائج محاولة التوفيق إيجابية.

حددت مدونة المشغل إجراءات استدعاء الأطراف وحضورهم في المادة:293، وحسب مقتضياتها فإنه في اليوم () الموالي لا ستلام مفتش الشغل لطلب محاولة تسوية النزاع وديا يقوم المفتش أو نائبه بإرسال استدعاءات للأطراف من أجل الحضور في أجل لا يتجاوز 8 أيام من تاريخ تسلمهم للاستدعاء، وإذا كان موطن أحد الأطراف بعيدا يضاف إلى هذا الأجل مواعيد المسافة الكافية للوصول إلى مكتب المفتش().

ويعتبر حضور الأطراف بعد استدعائهم في اليوم والساعة المحددين في الاستدعاء أمام مفتش الشغل أمرا إجباريا حسب نص المادة: 293 تترتب عليه وعلى عدمه آثار قانونية، بينما جعله المشرع المغربي اختياريا والتزاما أدبيا لعدم وجود نص يلزم ذلك(). وإذا لم يحضر المدعي في الوقت والمكان المحددين، ولم يبرر غيابه بقوة قاهرة يحرر المفتش محضرا بالغياب، ويجرد طلب محاولة التوفيق من أثره في تعليق تقادم الدعوى.

وإذا لم يحضر المدعى عليه في الوقت المحدد في الاستدعاء الذي تسلمه، وكان غيابه ليس بسبب قوة قاهرة منعته، يعتبر ذلك فشلا لمحاولة الصلح أو التوفيق، وحينئذ يجوز له رفع دعواه أمام المحكمة المختصة، كما يجب على مفتش الشغل تحرير محضر عدم التوفيق، إضافة إلى كتابة تقرير مفصل حول النزاع وأسبابه، مع إبداء رأيه في النزاع، ويرسله إلى رئيس المحكمة المختصة التي رفعت أمامها الدعوى من حيث الأصل().

بعد أن يقدم الطلب إلى مفتش الشغل من أجل التوفيق وتسوية النزاع وبعد حضور الأطراف، واطلاع المفتش على كل تفاصيل محل النزاع تبدأ عملية البت في النزاع، حيث يقوم مفتش الشغل ــ حسب ما لديه من معلومات ــ بإعلام الأطراف بحقوقهم التي تخولها لهم القوانين والنظم المعمول بها، والاتفاقيات الجماعية للشغل، إضافة ما يتضمنه عقد العمل ().

وبعدها يحاول تقريب وجهات النظر بين الأطراف، والدفع بهما إلى إبرام اتفاق نابع من قناعتهما المشتركة، مستخدما في ذلك كل وسائل الاقناع المهنية والشخصية مع احترام الضوابط التشريعية والتنظيمية المنظمة لمهام مفتش الشغل. كما يمكن أن يمدهم باقتراحات ونصائح من شأنها إنهاء النزاع. فإذا تكللت محاولته بالنجاح وتُوُصِل إلى اتفاق بين طرفي عقد العمل يقوم المفتش بتحرير محضر التوفيق خلال نفس الجلسة.

ومحضر الصلح هذا حدد له المشرع شكلا خاصا، وبيانات يجب أن يتضمنها وإلا كان باطلا.

وهذه البيانات هي:

1ــ توقيع الطرفين مع توقيع المفتش

2ــ تاريخ المحضر

3ــ كل عناصر الشكوى

4ــ النقاط التي حصل اتفاق بشأنها، والمبالغ المتفق عليها إن وجدت.

5ــ النقاط التي بقيت عالقة ولم يحصل بشأنها اتفاق إذا كان التوفيق جزئيا.

ولا يجوز أن يتضمن المحضر أية عبارة مثل:” على وجه الخصوص” أو متفرقات أو مخالصة عن كل حساب، أو كافة المبالغ المدمجة” تحت طائلة البطلان ()، حرصا من المشرع على مصلحة العامل ووضوح المحضر لئلا يترتب عن ذلك نزاع جديد.

ولم يحدد المشرع عدد النسخ التي يجب أن يحررها المفتش من المحضر، لكن جرت العادة على أن يكون في ثلاث نسخ، بحيث يعطى كل طرف نسخة منه، تفاديا لأي نزاع آخر في القضية محل النزاع ().

إذا كانت محاولة التوفيق بين طرفي عقد العمل تشكل حماية للعامل من خلال تجنيبه للمسطرة القضائية، وحصوله على حقه بصفة ودية مع صاحب العمل، فإن تحقيق هذه الغاية يبقى رهين توافق الطرفين، مما يعني أن مهمة مفتش الشغل قد تتكلل بالنجاح، كما أنها قد تبوء بالفشل، مما يفتح الباب أمام الأطراف من أجل اللجوء إلى القضاء المختص.

لذلك سنتناول أولا آثار محضر التوفيق، على أن نتناول ثانيا آثار محضر عدم التوفيق.

إذا توصل الطرفان إلى اتفاق بشأن الأجر أو التعويضات، أو المزايا المتنازع بشأنها، وحرر المفتش محضرا بذلك يتضمن البيانات الإلزامية التي حددتها المادة: 296 من مدونة الشغل سالفة الذكر، يقدم الطرف الأكثر عناية ذلك المحضر الذي وقع عليه من طرف العامل وصاحب العمل والمفتش إلى رئيس محكمة الشغل الذي حرر المحضر بدائرة اختصاصها، حيث يجب عليه وضع الصيغة التنفيذية على المحضر، وينفذ كما لوكان حكما قضائيا محلى بالصيغة التنفيذية. وهذا ما أكدته المحكمة العليا الموريتانية بقرارها رقم:07/2015 الصادر بتاريخ:02/02/ 2015 بقولها:” تعتبر محاضر الصلح الواضحة البنود والموقعة من الأطراف، والمفتش القائم بالصلح سندا تنفيذيا، طبقا للمادة:340 من مدونة الشغل، والمادة:298 من قانون الاجراءات المدنية والتجارية والادارية”().

كما أن من آثار محضر التوفيق إسقاط كل دعوى قضائية حول النقاط التي حصل الصلح بشأنها ().

لا يعني مجرد لجوء أحد الأطراف إلى مفتش الشغل من أجل محاولة التوفيق نجاح هذه المحاولة بالضرورة، وإنما قد تعترض سبيل هذه المحاولة صعوبات وعراقيل تحول دون توصل الأطراف إلى اتفاق بشأن النزاع المعروض، فقد يختلف الأطراف في بعض المسائل مما يشكل عائقا دون حصول التوفيق. كما قد يرفض صاحب العمل الحضور بالرغم من استدعائه للمشاركة في محاولة التوفيق، مما يؤدي إلى فشل مسطرة التوفيق. وبالتالي يجب على المفتش تحرير محضر بعدم التوفيق خلال أجل لا يتجاوز 7 أيام، يبين فيه أسباب فشله في محاولة التوفيق ().

ويعد فشل محاولة التوفيق إيذانا بنقل النزاع إلى القضاء، إلا أن رفع النزاع إلى المحكمة المختصة ليس من اختصاص مفتش الشغل، إذ لا يعد عملية تلقائية يقوم بها مفتش الشغل بعد فشله في محاولة التوفيق بين الأطراف، وإنما يبقى ذلك رهن اختيار طرفي النزاع، وخاصة العامل لأنه الطرف المتضرر غالبا، حيث يجب عليه رفعها بواسطة تصريح كتابي إلى محكمة الشغل المتخصصة، ويقيد هذا التصريح في سجل المحكمة المخصص لهذا الغرض ().

ويجب على العامل أن يقوم برفع دعوى المطالبة بالأجر بعد فشل محاولة التوفيق في الأجل المحدد وهو سنتان، يبدأ حسابهما من تاريخ استحقاق الأجر()، وإلا سقطت الدعوى بالتقادم.

ويجب على مفتش الشغل الذي فشل في محاولة التوفيق أن يحيل ملف النزاع بشكل كامل إلى رئيس المحكمة المختصة إذا طلب ذلك منه، أو طلبه منه أحد الطرفين ().

وتعتبر إحالة هذا الملف من طرف المفتش إلى رئيس المحكمة المختصة من المظاهر التي تعكس التعاون بين مفتشية الشغل ومحاكم الشغل، فكل ما كان محضر عدم التوفيق مفصلا ودقيقا، ويتضمن كافة أسباب ودوافع النزاع كلما كانت مهمة المحكمة أسهل وأسرع في البت في النزاع ().

بقي أن نشير إلى أن مدونة الشغل الموريتانية ـ حرصا منها على مصلحة العامل ـ لم تكتف بمحاولة التوفيق بين الأطراف من طرف مفتش الشغل كإجراء إجباري قبل رفع أي دعوى للمطالبة بالأجر أمام المحكمة المختصة، وإنما خولت للمحكمة بعد حضور أطراف النزاع أمامها الشروع في محاولة لتسوية النزاع وديا، حيث نصت المادة:319 على أنه:” إذا حضر الطرفان أمام محكمة الشغل، يتم الشروع في محاولة التوفيق.

وإذا تم الاتفاق يحرر محضر في نفس الجلسة وفي سجل مداولات المحكمة ويقرر تسوية النزاع وديا. ويعتبر المستخرج من محضر التوفيق الموقع عليه من طرف رئيس المحكمة وكاتبها بمثابة سند تنفيذي”.

وإذا كان المشرع قد جعل محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل إجبارية، وبالتالي تجاوزها إلى القضاء مباشرة يجعل الدعوى باطلة، فإن محاولة التوفيق من طرف محكمة الشغل مجرد إجراء اختياري، يمكن تجاوزه، ولا يكون ذلك مبطلا للدعوى، لأن المشرع في المادة:319 وما بعدها من مدونة الشغل لم يشر إلى إلزامية المرور بهذا الإجراء، ولم يرتب على مخالفته أي جزاء، عكس ما فعل مع محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل، حيث نص في المادة: 292 من مدونة الشغل على أنه:” قبل عرض أية قضية على أنظار محكمة الشغل، يجب على صاحب العمل او العامل أن يطلب رفع الخلاف الفردي من أجل محاولة التوفيق أمام مفتش الشغل أو مراقب الشغل أو نائبه القانوني”().

و ما ذهبنا إليه من عدم إلزامية محاولة التوفيق الودية من طرف المحكمة المختصة قبل البت في النزاع، أكدته الغرفة المدنية والاجتماعية الأولى بالمحكمة العليا الموريتانية في قرارها رقم:05/2012 الصادر بتاريخ:20/03/2012 في القضية رقم:34/2011 المتعلق برفض طعن تقدم به ممثل أحد الأطراف، حيث أسس هذا الطاعن لمَّا طلب نقض القرار رقم: 19/2011 الصادر بتاريخ:15/02/2011 على أن محكمة الشغل خرقت نص المادتين:319،310 من مدونة الشغل لما لم تعقد قبل البت في موضوع النزاع جلسة تدعو فيها الأطراف للصلح، وعليه سيكون الحكم معيبا بما يوجب نقضه.

وقد ردت المحكمة بأنه:”… بغض النظر عن تجاوز الطاعن لقرار محكمة الاستئناف، وخلطه بين ما يؤسس عليه الاستئناف وما يبرر النقض ويبنى عليه فإن تعلقه بنص المادتين :210 و 219 من قانون الشغل لا سند فيه لما طلب، إذ أن ما تضمنتا من ندب الأطراف للصلح قبل البت في موضوع النزاع وعدم علنية الجلسة له إنما ورد على وجه الجواز والأفضلية لعله أن يختصر النزاع ويقلل من تشاجر الأطراف، وليس في نصه ولا مفهومه ما يفيد لزومه على وجه يتأكد منه أن تجاوز القرار يوجب إلغاء أو نقض ما صدر بدونه ، وما يشهد لذلك و يفيده أن المعلوم من عمل القضاء وأعرافه حتى الآن ليس فيه أن محاكم الاستئناف قد اعتبرته موجبا للإلغاء ما لم تتضمن ما يثبت القيام به، وعمل المحكمة العليا كذلك لم يعرف منه نقض ما أكدته محاكم الاستئناف بضميمة تجاوز هذا الإجراء أو الشكلية، ومرد ذلك بديهي غاية إذ ما يميز الأمر والنهي من التشريع أن يرتبا جزاء ، والندب للصلح المحدد بالمادتين المذكورتين لم يرتب المشرع على تجاوزه أيا من الأمرين فهو إذن من قبيل الجواز ليس إلا . وهذا هو نصه وفحواه من المادة 75 من أ.ج. وهي المرجع والأصل في نص المادتين 310 ، 319 من مدونة الشغل.

وعليه يتجلى أن ما دفع به الطاعن قد سيق بغير أساس معتبر وعلى غير محل له “().

يواجه مفتش الشغل مجموعة من العراقيل والتي تحد من فعالية تدخلاته لتسوية النزاعات الفردية، نوجزها فيما يلي:

إن مفتش الشغل يتحرك في ميدان أطرافه لهم مصالح متناقضة()، وهو تناقض يلقي بظلاله على موقف كل من العامل وصاحب العمل من زيارات مفتشي أو مراقبي الشغل، والتي قد يعتبرها الأول نوعا من المجاملة لصالح صاحب العمل على حساب حقوقه التي يرى أنها مهضومة، وبالمقابل قد يعتبرها صاحب العمل تحاملا عليه، وذلك بترجيح كفة مطالب العامل().

وأمام هذا الوضع لا يستطيع مفتش الشغل التغلب على هذه الصعوبات إلا باستعمال ما يتوفر عليه من إمكانيات تقنية وقانونية ونفسية واجتماعية، وخبرة اكتسبها نتيجة احتكاكه اليومي بالعمال وأصحاب العمل، مما يصل به في الأخير إلى الغاية المرجوة، وهي نجاح محاولة التوفيق.

تتمثل هذه العراقيل الإدارية التي يعرفها تدخل مفتشية الشغل في تسوية نزاعات الشغل الفردية في قيود تعرقل نشاط المفتشية ككل وتتجلى في قلة عدد العاملين بهذه المفتشيات من جهة، وضعف تكوينهم من جهة ثانية.

ـ قلة عدد مفتشي ومراقبي الشغل

من الإشكالات الأساسية التي تواجه مفتشية الشغل وتحول دون مواكبتها لتطبيق بنود مدونة الشغل وقيامها بدورها في حل النزاعات إشكال النقص العددي الكبير لمفتشي ومراقبي الشغل، وتزايد المؤسسات والشركات الخاضعة للرقابة، حيث لا يتجاوز مجموع مراقبي ومفتشي الشغل العاملين في المفتشيات على المستوى الوطني 100 موظف، مقابل آلاف العمل والمؤسسات، إضافة اتساع الرقعة للبلد مما يعني استحالة تغطية مفتشيات لكافة المؤسسات.

ويزداد الوضع تدهورا إذا علمنا أن هذا العدد سيتقلص بسبب الإحالة على التقاعد، وندرة اكتتاب هذه الفئة من الموظفين.

لإزالة هذا العائق يتعين الرفع من عدد الموظفين المكلفين بالتفتيش في مجال الشغل لضمان التطبيق الجيد لأحكام مدونة الشغل، لأنه لا قيمة لهذه المدونة ولا النصوص التنظيمية المطبقة لها إلا بتفعيل دور مفتشي ومراقبي الشغل، ولمواجهة التزايد الحاصل في عدد المؤسسات الخاضعة للرقابة.

ـ ضعف مستوى التكوين

يحتاج العاملون في مفتشيات الشغل للتكوين المستمر، فالمفتش لا يكفي أن يكون ذا تكوين قانوني متين فحسب، بل يجب بالإضافة إلى ذلك أن يلقن بعض العلوم التي من شأنها أن تعينه أثناء قيامه بعمله، خاصة عند قيامه بعملية التوفيق بين طرفي عقد العمل.

فالتكوين الاقتصادي لمفتشي الشغل مثلا، قد يمكنهم من مجابهة صاحب العمل عند اتخاذه لإجراءات من شأنها الإضرار بالعمال تمليها عليه عوامل اقتصادية، ومن ذلك مثلا الإنقاص من ساعات العمل بكيفية قد تؤثر في مبالغ الأجور التي يتقاضاها الأجراء عادة().

وقد لوحظ ـــ وبشهادات مفتشي الشغل أنفسهم ـــ أن الإمكانيات المعرفية المتاحة لهذه الفئة بفضل تكوينها الجامعي المتواضع، تظل قاصرة عن استيعاب التقنيات الدقيقة لأحكام مدونة الشغل، بل ومعارف أخرى متعددة تطرحها وظيفة تفتيش الشغل. وبالتالي يجب الاهتمام بالتكوين في الجانب التقني والنفسي، بالإضافة إلى الجانب القانوني بطبيعة الحال، لأن نزاعات الشغل عادة ما تعود لأسباب نفسية شخصية أو اجتماعية، سواء لدى العمال أو أصحاب العمل.

لا شك أن الجانب المادي يشكل الوجه الآخر لمعاناة مفتشي الشغل، حيث يساهم بشكل كبير في تهميش هذا القطاع ويحول دون تمكنه من تعميم وتوسيع وتطبيق المقتضيات القانونية التي أولى له المشرع القيام بها. سعيا منا للوقوف على هذه العوائق المادية من خلال نقطتين أساسيتين أولهما على مستوى الوضعية، المالية لمفتشي الشغل وثانيهما على مستوى الوسائل الضرورية للقيام بعملهم.

إن الوضعية المالية التي يعيشها أطر مفتشي الشغل، وضعية مزرية من شأنها أن تؤثر على أدائهم للمهام المتعددة الموكول لهم للقيام بها، إذ أن هذه الوضعية لا تبعثهم على الحماس والنشاط للقيام بعملهم في مأمن عن كل الضغوطات، وبالتالي نرى أن الوضعية المالية لمفتشي ومراقبي الشغل وضعية جد مزرية ومتردية رغم خطورة وحساسية الدور المنوط بهم مما يوجب الرفع من المستوى المادي لهذه الفئة، لوقايتهم من مختلف الإغراءات التي قد يتعرضون لها أثناء قيامهم بواجباتهم، على اعتبار أن هذه الفئة هي في اتصال دائم ومستمر بالمشغلين، وهم غالبا أصحاب ثروات ضخمة ونفوذ، ومستعدون لبذل المال من أجل التغطية على المخالفات التي قد يطلع عليها المفتشون.

إن تعدد المهام المنوط بمفتشي ومراقبي الشغل، تجعل الوزارة الوصية مجبرة على توفير كافة الوسائل الضرورة للقيام بعملهم، إلا أن الواقع عكس ذلك فهم يعملون في ظل ظروف عمل صعبة ومرهقة وجد سيئة لا تسمح لهم بإنجاز مهامهم على الوجه المطلوب، ذلك أنهم يعملون بوسائل جد ضعيفة، فهم لا يتوفرون على وسائل النقل الضرورية، الشيء الذي يعرقل ويضاعف متاعبهم المهنية وبالأخص في المناطق المترامية الأطراف، إذ كيف يعقل على سبيل المثال أن يطالب مفتش الشغل بزيارة المؤسسات الخاضعة لمدونة الشغل والبعيدة جغرافيا عن مقر الدائرة التي يعمل فيها، دون أن توفر له وسيلة نقل().

خاتمة:

في ختام هذا البحث يتضح أن المشرع قد سعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق العمال وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، من خلال تبني آليات ودية تُجنب الأطراف تعقيدات التقاضي وتُحافظ على العلاقة الوظيفية. وقد تجلى ذلك جليًا في إقرار مسطرة التوفيق الإلزامية كمرحلة أولى قبل اللجوء إلى القضاء، مما يعكس حرص المدونة على ترسيخ العدالة الاجتماعية وسرعة فض النزاعات.

غير أن هذه الآلية، رغم ما تحمله من مزايا عملية كالبساطة والسرعة والمجانية، تواجه تحديات جوهرية تطرح تساؤلات حول مدى فعاليتها، لعل أبرزها:

ـ التناقض بين الدور الرقابي والتوفيقي لمفتش الشغل، والذي قد يؤثر على حياديته أو هيبته أمام أصحاب العمل.

ـ العراقيل الميدانية مثل نقص الموارد البشرية والمادية، وضعف التكوين المتخصص لمفتشي الشغل، مما يعيق تنفيذ المهام بكفاءة.

ـ الإشكالات الإجرائية كغياب آجال محددة لتقديم طلب التوفيق، أو صعوبة تنفيذ المحاضر في بعض الأحيان.

ومع ذلك، تبقى هذه المسطرة خطوة متقدمة في المنظومة القانونية الموريتانية، إذ أنها تُكرس مبادئ العدالة التصالحية وتخفف العبء عن القضاء. لكن تعظيم فوائدها يتطلب:

– تعزيز الاستقلالية الوظيفية لمفتشية الشغل لضمان حياديتها.

– تطوير البنية التحتية عبر توفير موارد بشرية ومادية كافية، مع التركيز على التكوين المستمر في الجوانب القانونية والاجتماعية.

– تعديلات تشريعية لسد الثغرات، مثل تنظيم حالات رفض الاستدعاء أو تعزيز الآليات الرقابية على تنفيذ محاضر التوفيق.

وأخيرا يمكن القول إن نجاح مسطرة التوفيق مرهون بموازنتها بين المرونة والصرامة، وبين الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية. فهي ليست مجرد إجراء شكلي، بل آلية استباقية تحتاج إلى دعم مؤسسي ومجتمعي لتحقيق الغاية المنشودة: تحقيق العدالة في العلاقات الشغلية دون إضرار بالنسيج الاقتصادي. ولعل الميدانية المستقبلية ستكون المحك الحقيقي لقدرتها على تجاوز التحديات والارتقاء بمنظومة فض النزاعات الفردية في موريتانيا.

قائمة المراجع:

ـ القانون رقم: 017/ 2004 الصادر بتاريخ: 6 يوليو 2004 المتضمن مدونة الشغل الموريتانية، المعدل بموجب القانون رقم:025/ 2022 الصادر بتاريخ 29 نوفمنبر 2022، جريدة رسمية رقم:1524، 2022 .

ـ ظهير شريف رقم: 1.03.194 صادر في 14من رجب الموافق22 سبتمبر 2003 المتعلق بتنفيذ القانون رقم: 65.99 المتضمن مدونة الشغل المغربية، جريدة رسمية رقم: 5167.

ـ القانون رقم: 90/ 04 الصادر بتاريخ 6 فبراير 1990 المتعلق بتسوية النزاعات الفردية الجزائر المعدل، جريدة رسمية رقم:06/1990.

ـ القرار رقم: 05/2012 الصادر بتاريخ: 20/03/2012، في الملف رقم:24/2011 مجلة المحكمة العليا الموريتانية، الغرفة المدنية والاجتماعية الأولى، العدد:1، 2012.

ـ انظر القرار رقم:07/2015 الصادر بتاريخ: 02/02/ 2015 في الملف رقم: 68/2013، مجلة المحكمة العليا الموريتانية، الغرفة المدنية والاجتماعية الأولى، العدد:3، 2015.

ـ محمد يحي ولد عبد الودود (ولد الصيام)، الوجيز في شرح القانون الاجتماعي الموريتاني، ط1، مطبعة القرنين، نواكشوط، 2010.

ـــ عبد اللطيف خالفي، الوسيط في مدونة الشغل المغربية، الجزء الأول علاقات الشغل الفردية، ط1، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، 2004.

ـــ الحاج الكوري، مدونة الشغل المغربية الجديدة ـ القانون رقم: 65.99ـ(أحكام عقد الشغل)، مطبعة أمنية، الرباط، 2004

ـ محمد الكشبور، نظام تفتيش الشغل الواقع الحالي وآفاق المستقبل، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط،199

نضال مصطفى محمد غيث، التسوية الودية لنزاعات الشغل الفردية عن طريق الصلح التمهيدي دراسة في ضوء التشريع الاجتماعي المغربي، المجلة الأكاديمية للأبحاث والنشر العلمي، العدد:8، 2020

ـ محمد أطويف، مسطرة الصلح التمهيدي في نزاعات الشغل الفردية، مقال منشور بمجلة القضاء المدني “سلسلة دراسات وأبحاث “المنازعات، الاجتماعية في ضوء مدونة الشغل والقوانين المنظمة لحوادث الشغل والأمراض المهنية والضمان الاجتماعي”، عدد 11 ، سنة 2012

ـ احمد أتويس دور مفتشية الشغل في الحد من نزاعات الشغل، رسالة ماستر في القضاء، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،2008/2009

ـ أحمد أزدوفال: واقع نظام تفتيش الشغل في المغرب، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، رسالة ماستر، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،1999/2000



Source link

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

من فضلك لو تتكرم بدعمنا ، وقم بتعطيل إضافة مانع الإعلانات لتصفح المحتوى .